محمد الريشهري

142

موسوعة العقائد الإسلامية

يَغتَذي بِاللَّبنِ ما دامَ رَطبَ البَدَنِ ، رَقيقَ الأَمعاءِ ، لَيِّنَ الأَعضاءِ ، حَتّى إِذا تَحَرَّكَ وَاحتاجَ إِلى غِذاء فيهِ صَلابَةٌ لِيَشتَدَّ ويَقوى بَدَنُهُ طَلَعَت لَهُ الطَّواحِنُ مِنَ الأَسنانِ وَالأَضراسِ ، لِيَمضَغَ بِهِ الطَّعامَ فَيَلينَ عَلَيهِ ويَسهُلَ لَهُ إِساغَتُهُ ، فَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتّى يُدرِكَ ، فَإِذا أَدرَكَ وكانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعرُ في وَجهِهِ ، فَكانَ ذلِكَ عَلامَةُ الذَّكَرِ وعَزَّ الرَّجُلُ الَّذي يَخرُجُ بِهِ مِن حَدِّ الصَّبا وشَبَهَ النِّساءِ ، وإِن كانَت أُنثى يَبقى وَجهُها نَقِيّاً مِنَ الشَّعر ، لِتَبقى لَهَا البَهجَةُ وَالنَّضارَةُ الَّتي تُحَرِّكُ الرِّجالَ لِما فيهِ دَوامُ النَّسلِ وبَقاؤُهُ . اِعتَبِر - يا مُفَضَّلُ - فيما يُدَبّرُ بِهِ الإِنسانُ في هذِهِ الأَحوالِ المُختَلِفَةِ ، هَل تَرى يُمكِنُ أن يَكونَ بِالإِهمالِ ؟ أفَرَأَيتَ لَو لَم يَجرِ إِلَيه ذلِكَ الدَّمُ وهُوَ فِي الرَّحِمِ ؛ ألَم يَكُن سَيَذوي ويَجِفُّ كَما يَجِفُّ النَّباتُ إِذا فَقَدَ الماءَ ؟ ولَو لَم يُزعِجهُ المَخاضُ عِندَ استِحكامِهِ ؛ ألَم يَكُن سَيَبقى فِي الرَّحِمِ كَالمَوؤودِ فِي الأَرضِ ؟ ولَو لَم يُوافِقهُ اللَّبنُ مَعَ وِلادَتِهِ ؛ ألَم يَكُن سَيَموتُ جوعاً ، أو يَغتَذي بِغِذاء لا يُلائِمُهُ ولا يَصلَحُ عَلَيهِ بَدَنُهُ ؟ ولَو لَم تَطلَع عَلَيهِ الأَسنانُ في وَقتِها ؛ ألَم يَكُن سَيَمتَنِعُ عَلَيهِ مَضغُ الطَّعامُ وإِساغَتُهُ ، أو يُقيمُهُ عَلَى الرِّضاعِ فَلا يَشُدّ بَدَنُهُ ، ولا يَصلَحَ لِعَمَل ؟ ثُمَّ كانَ تَشتَغِلُ أُمُّهُ بِنَفسِهِ عَن تَربِيَةِ غَيرِهِ مِنَ الأَولادِ ، ولَو لَم يَخرُجِ الشَّعرُ في وَجهِهِ في وَقتِهِ ؛ ألَم يَكُن سَيَبقى في هَيئَةِ الصِّبيانِ وَالنِّساءِ ؛ فَلا تَرى لَهُ جَلالَةً ولا وَقاراً ؟ فَإِن كانَ الإِهمالُ يَأتي بِمِثلِ هذَا التَّدبيرِ فَقَد يَجِبُ أن يَكونَ العَمدُ وَالتَّقديرُ يَأَتِيانِ بِالخَطَأَ وَالمُحالِ ؛ لأَِنَّهُما ضِدُّ الإِهمال ، وهذا فَظيعٌ مِنَ القَولِ ، وجَهلٌ مِن قائِلِهِ ؛ لاَِنَّ الإِهمالَ لا يَأتي بِالصَّوابِ ، وَالتَّضادَّ لا يَأتي بِالنِّظامِ ، تَعالَى اللهُ عَمّا يَقولُ المُلحِدونَ عُلُوّاً كَبيراً . ( 1 )

--> 1 . بحار الأنوار : 3 / 62 عن المفضّل بن عمر في الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل .